النويري

224

نهاية الأرب في فنون الأدب

رأسك ؟ ما هذا الشجا المعترض في مدارج أنفاسك ؟ ما هذه القذاة التي تغشّت ناظرك ؟ وما هذه الوحرة « 1 » التي أكلت شرا سيفك ؟ وما هذا الذي لبست بسببه جلد النّمر ، واشتملت عليه بالشّحناء والنّكر ، ولسنا في كسرويّة كسرى ، ولا في قيصريّة قيصر ، تأمّل لإخوان فارس وأبناء الأصفر ؛ قد جعلهم اللَّه جزرا لسيوفنا ، ودريئة لرماحنا ، ومرعى لطعاننا ، وتبعا لسلطاننا ؛ بل نحن نور نبوّة ، وضياء رسالة ، وثمرة حكمة ، وأثرة رحمه ، وعنوان نعمه ، وظلّ عصمه ؛ بين أمّة مهديّة بالحق والصدق ، مأمونة على الرّتق والفتق ، لها من اللَّه إباء أبىّ ، وساعد قوىّ ؛ ويد ناصره ، وعين ناظره ؛ أتظن ظنّا يا علىّ أن أبا بكر وثب على هذا الأمر مفتاتا على الأمّة ، خادعا لها ، أو متسلَّطا [ عليها ] ؟ أتراه حلّ عقودها [ وأحال عقولها « 2 » ] ؟ أتراه جعل نهارها ليلا ، ووزنها كيلا ؛ ويقظتها رقادا ، وصلاحها فسادا ؟ لا واللَّه ، سلا عنها فولهت له ، وتطامن لها فلصقت به ، ومال عنها فمالت إليه ، واشمأزّ دونها فاشتملت عليه ، حبوة حباه اللَّه بها ، وعاقبة بلَّغه اللَّه إليها ، ونعمة سربله جمالها ، ويدا أوجب عليه شكرها وأمّة نظر اللَّه به لها ، واللَّه تعالى أعلم بخلقه ، وأرأف بعباده ، يختار ما كان لهم الخيرة ، وإنك بحيث لا يجهل موضعك من بيت النبوّة ، ومعدن الرسالة ، ولا يجحد حقّك فيما أتاك اللَّه ، ولكن لك من يزاحمك بمنكب أضخم من منكبك ، وقرب أمسّ من قرابتك ، وسنّ أعلى من سنّك ، وشيبة أروع من شيبتك ، وسيادة لها أصل في الجاهليّة وفرع في الإسلام ، ومواقف ليس لك فيها جمل ولا ناقة ، ولا تذكر فيها

--> « 1 » الوحرة : ضرب من العظاء ، وهى صغيرة حمراء تعدو في الجبابين لها ذنب دقيق تمصع به إذا عدت ، وهى أخبث العظاء لا تطأ طعاما ولا شرابا إلا شمته ولا يأكله أحد إلا دقى بطنه ، وربما هلك ، شبه العداوة والغل بها . قال في اللسان مادة « وحر » : الوحر : غش الصدر وبلابله ، ويقال : إن أصل هذا من الدويبة التي يقال لها الوحرة ، ثم قال : شبهوا العداوة ولزوقها بالصدر بالتزاق الوحرة بالأرض . « 2 » التكملة عن صبح الأعشى .